عبد القاهر الجرجاني

269

دلائل الإعجاز في علم المعاني

وإن أردت الثاني ، ولا بدّ لك من أن تريده ، فإن هاهنا أصلا ، من عرفه عرف سقوط هذا الاعتراض . وهو أن يعلم أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحليّ ، كالخاتم والشّنف والسّوار ، فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلا ساذجا ، لم يعمل صانعه فيه شيئا أكثر من أن أتى بما يقع عليه اسم الخاتم إن كان خاتما ، والشّنف إن كان شنفا ، وأن يكون مصنوعا بديعا قد أغرب صانعه فيه . كذلك سبيل المعاني ، أن ترى الواحد منها غفلا ساذجا عامّيا موجودا في كلام الناس كلّهم ، ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصّور في المعاني ، فيصنع فيه ما يصنع الصّنع الحاذق ، حتى يغرب في الصّنعة ، ويدقّ في العمل ، ويبدع في الصّياغة . وشواهد ذلك حاضرة لك كيف شئت ، وأمثلته نصب عينيك من أين نظرت . تنظر إلى قول النّاس : " الطبع لا يتغيّر " ، و " لست تستطيع أن تخرج الإنسان عمّا جبل عليه " ، فترى معنى غفلا عامّيا معروفا في كل جيل وأمة ، ثم تنظر إليه في قول المتنبي : [ من المتقارب ] يراد من القلب نسيانكم * وتأبى الطّباع على النّاقل " 1 " فتجده قد خرج في أحسن صورة ، وتراه قد تحوّل جوهرة بعد أن كان خرزة ، وصار أعجب شيء بعد أن لم يكن شيئا . وإذ قد عرفت ذلك ، فإن العقلاء إلى هذا قصدوا حين قالوا : " إنّه يصحّ أن يعبّر عن المعنى الواحد بلفظين ، ثم يكون أحدهما فصيحا والآخر غير فصيح " ، كأنهم قالوا : إنه يصح أن تكون هاهنا عبارتان أصل المعنى فيهما واحد ، ثم يكون لإحداهما في تحسين ذلك المعنى وتزيينه ، وإحداث خصوصيّة فيه تأثير لا يكون للأخرى . واعلم أن المخالف لا يخلو من أن ينكر أن يكون للمعنى في إحدى العبارتين حسن ومزيّة لا يكونان له في الأخرى ، وأن تحدث فيه على الجملة صورة لم تكن أو يعرف ذلك ، فإن أنكر لم يكلّم ، لأنه يؤديه إلى أن لا يجعل للمعنى في قوله : وتأبى الطباع على الناقل

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 2 / 17 ) من قصيدة في مدح سيف الدولة ويذكر استنقاذه أبا وائل بن داود بن حمدان العدوي من أسر الخارجي سنة سبع وثلاثين وثلاث ومائة ومطلعها : إلام طماعية العاذل * ولا رأي في الحب للعاقل